الخميس، 31 يناير 2013

نعم انا طائفية بامتياز



كنت اراهن ولازلت على ان العراق لم يسقط وبغداد لم تسقط والدولة لم تسقط ولكن النظام الدكتاتوري هو من سقط نعم النظام الدكتاتوري هو من سقط و بعد عشرة سنوات من التغيير اتضح ان العراق لم يسقط فقط وانما العراق اصبح تالف لا يصلح للسكن البشري ولابد من رميه واستبداله بثلاث قطع جديدة .ثلاث قطع جديدة أي نعم ثلاث قطع جديدة ولكن لا لون لها ولا رائحة و لا طعم دويلات مائية يغرفوا منها ما يشاؤوا ويستنزفون شعبها ونفطها وارضها وعرضها وبقانون قطعها الجديدة ومن يدري ربما يستبدلون اهلها بناس اخر فالاحتياط جاهز والمتطفلون كثر وماركاتهم غنية عن التعرف .فكل جديد مرغوب ( وعلى رأي اجدادنا تقرقعي يا شربه كل جديد وله رغبة ) قطع بدون تاريخ وبدون قوة ولا منفذ لها سوى الاتكال على من يسوق لها وهنا الطامة الكبرى لو عرفنا من يسوق لها ! المسوق غول كبير بحره العولمة والتهام من يقف بوجه سمه ما شئت فله نفس صفات التقسيم وهدفه التسويق لصهر تاريخ يقلق مضجعه , مدعوم بعقول جاهلية بعيدة عن الانسانية تحكم بالسيف وتفتي بالقطيعة والعراق ينافسها فكرا واقتصادا وعظمة .
دخلوا علينا بالأقاليم وبدستور مستفتى عليه ونظام معمول به عالميا وقلنا لابأس ليكن اننا شعب واحد تديره سياسة عقلانية تحت مظلة واحده ولكن تناسينا دهاء ومكر من يخطط لشطب تاريخ وحضارة العراق التاريخ المرعب الذي يهابه العالم ويضرب له التحايا تقديرا واجلا لأنه اهدى لهم الحرف والرقم و قياس الزمن وبهما تنعم البشرية اليوم بعالم النت المهول فالف تحية لحضاراتك يا عراق والفاتحة على حدودك الجغرافية ومبروك قطعك الغيار المتأكلة اصلا .
يسوقون اليوم لدويلات لا نعرف اسمها ولا حدودها ولا مكوناتها وانما خيط وهمي اطلقوا عليه (استان ) الكل يطالب به الى اين ياشعب العراق لماذا كل هذا الحب لكيانات ميته مهما غذيناها من امصال عالمية دويلات تستجدي الهواء والماء دويلات اقل ما يمكن ان يقال عليها ستولد مشوهة متخلفة كل ما فيها طاقة نفطية بيد العالم ولا يحق لك ان تتصرف بها شئت ام ابيت وبشعار العولمة وستكتب الحكاية
كان يامكان بلد اسمه العراق دخلة الأمريكان و قتلة الاخوان بسيف ربيعهم الذي جفف الامل وزرع الاحزان ومن هنا اصبحث ثلاث دول اسمها معوقات استان .
لا انكر ان للعراق تاريخ سياسي مخيف صراع ودماء وقتل وتهجير وتهميش على مر العصور .لم يكن الشعب العراقي في يوم من الايام متصالح مع حكوماته ولا حتى مع نفسه يبايع وينتقد ويحارب يتزاوج ويتعايش ويطلق بالثلاث ويقاتل على من طلق تناقضات في عالم السياسة والاجتماع لكنها صحية الى حد ما لان الركود يولد الموت والعراق بلد الاحياء وبلد الخلود والتاريخ يكتب مسيرة ابونا كلكامش الذي جاب الارض للبحث عنه وحركات التحرير ولدت في البصرة واغلب الانبياء هاجروا من العراق تاريخ حافل متناقض مثير للجدل حركات فكرية تدعو للتفكير حوارات نارية تطرف ما بعده تطرف صدامات لا تقف عند حدود خيال شهرزادي في صومعة شهريار خيال جياش لا يعرف الاستحالة هذا هو العراق ولذا هو شعلة العالم واسخن نقطة فيه . يفسر الروس كلمة بغداد بمعني هدية الله او عطاء الله وبما انه هبة رب العباد لابد ان تكون هكذا حياة في حياة صراع في صراع , مخاض لأجل ولادة حياة متجدده ,افكار متطرفة ,تدين والحاد هروب وانتماء, دماء واعمار ,حضارة وصحراء ,حب وكره ,تسامح وانتقام , ديمقراطية واعتصامات ,حرية ودعوة لإعادة الدكتاتورية ,مصالحة وطنية وشراكة مهدد بالانهيار, محاربة الارهاب واصوات لأعادته, شيعة وسنه اخوان ,صفويه وسلفية تهدد المكان ,تناقضات كلها على حساب شعب لم ولن يعرف الامن والامان ضاع في متاهات يراد لها ان تحير الاذهان .
اخر صرخة وعلى كل لسان :اهلا بالتقسيم ! وتوزع الدعوات من كل طيف الى كل كيان مزركشه ومبرقشه يدعون و يدعون انها ستحل الاشكال ستوصلهم الى بر الامان ! لا يا قضاة التقسيم كلمة حق يراد بها باطل اوله زرع الطائفية واخرة الابادة الجماعية وحلاوته علقم سيسقى به الجميع , مرارته ستقتل اجيال ما بعدها اجيال وان نجت ستكون معوقة مشلولة مصيرها سوق لنخاسة السلاح تحرق اليابس والاخضر وتدمر معالم الحياة الكل سيستجدي الماء والغذاء ونقع تحت سيطرة السفهاء لنملئ كروشهم وجيوبهم ولا نجني سوآ الاه !!!!العراق بكل مكوناته وتشعب قومياته ومذاهبه صورة لحياة مستمرة لو جمعناها كلها على بعضها لا تتعدى الثلاث طوائف على ثلاث مذاهب اين نحن من الاتحاد الاوربي او الامريكي او الصيني عظمة هؤلاء القوم وحدة المصير وكل واحد منها بذاته يتحيز لمكونه تحميهم وحدة المكان وقوة الوجود الموحد الفرنسي لا يساوم على فرنسيته ولا على مذهبه ولا حتى على الحاده وباقي المكون ينهج نفس النهج ولكن الكل يفتخر بكونه اوربي اتحادي.فليكن السني والشيعي العربي والكردي العراقي يحب قومه وطائفته ومذهبه مالضير في هذا التنوع الراقي الم نخلق احرار الم يقل كتابنا العزيز من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ولا اكراه في الدين ولا فرق بين عربي واعجمي الا بالتقوى اذن المطلوب هو التقوى العدل ليتحقق الامن والامان تقوى القلوب والعقول في العراق .لو حسبنا الطائفية هي التطرف في الحب للمذهب او للقومية بذاتها التطرف بحب العراق بذاته و لذاته فأهلا وسهلا وانا اول الطائفيين المتطرفين في حب العراق وضد المطبلين لتقسيمه مهما وصفو استاناتهم بانها ستكون الافضل والاحسن لأنها لم ولن تكون اروع من بغداد هديه الله وعراق الحضارات .نسمع ونرى اليوم تحركات مريبة مدفوعة الثمن نقدا و مشحونة عاطفيا تفرش طريق التقسيم بالورود وعجبي لمن يسير ورائهم لتشيع نعش العراق بموسيقى طبولها سياط تنتظر الاجيال .المانيا لم يهدئ لها بال الا بالتوحيد وبقى دستورها الي اليوم يسمى بالقانون الاساس لأنها وضعت في ذهنا فكرة التوحيد رغم انها كانت مستحيلة ونحن نزرع فكرة التقسيم رغم انها كانت مستحيلة !!!!لا يا شعب العراق التقسيم لا يخدم احد العقلاء يجب ان يكون لهم دور في حل الازمات لا ان يخلقوها ماذا يعني لمجرد قلة الخدمات او بعض الخلافات او حتى الاختلافات بين هذه الطائفة او تلك او هذه القومية او تلك تدعون الحل الاوحد هو فرض (استان) وكأنها العصى السحرية لحل الازمات لا والف لا , ما هكذا تورد الابل يا كرام حل ازمات العراق ببرلمان ناضج على المستوى الفكري والعقائدي يحمي الشعب والارض ويستثمر خيرات العراق بقوانين لصالح الكل حكومة تكنوقراطية متفاعله لها مشاريع واضحة ودراسات ميدانيه لتقف عند كل شاردة وواردة لخدمة الشعب والارض والحياة .
نعم الندم لا يفيد وعجلة الزمن لا ترجع الى الوراء لو وقع المحضور بجرة قلم او تحريض عاطفي وجشع عدو وغادر يلبس قناع الفضيلة !لو انتبه الشعب العراقي او لو قام المثقف العراقي والاعلام الوطني بإعادة روح الجماعة وحب العراق وكشف المندسين في العملية السياسية لوقف الجميع وقفة رجل واحد .الارهاب يعصف بالبلاد لأننا نرفع شعار الا مبالاة ولأننا مخدرين عاطفيا تارة باسم التعصب الديني وتارة باسم الحلم الموعود واخرى بأناس همهم السلطة و تقسيم كعكة العراق والادهى من هذا كله خضوعنا لقيادة القطيع الذي يتولاها من يلعب بالمال والايهام , آن الاوان لكي نقطع عليهم الطريق , طريق ذبح العراق وتقطيع اوصاله لابد ان تعود للعراق عافيته بتغير نفوسنا .تولستوي يقول الكل يريد تغير العالم ولا احد يريد تغيير نفسه وكتابنا يقول ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ,نعم انفسنا هل يعني لو اصبحت شيعتستان دولة معناها سيعيش الشيعة في امان وسعادة او لو اصحبت سنتستان دولة سيعيش السنة في امان او كردستان لا والف لا ها هي كردستان العراق في صراع رغم المظاهر الكذابة بالأمن والاستقرار والعمران كله افتراء على الشعب الكردي وستكون هذه الدويلات بلاء على بعضها البعض سيأتي عليها وعن طريق ديمقراطياتها المطبل لها اسوء دكتاتور دكتاتور مطعم ضد حرية الشعوب و كما فعلها هتلر وحرق اليابس والاخضر ولازال العالم يأن مما فعل وفي دويلاتنا المرتقبة مليون هتلر لا بل واقسى منه والساحة عجت بهم ورأيناهم بالصوت والصورة كيف بهم لو هم من يتصدر حكم الاستانات !!!المشهد مأساوي فوق ما نتصور لو حصل لا سامح الله ودخلنا زمن الاستانيات او بمعنى دويلات احتياط لمن يريد ان يستعملها !حسب علمي المتواضع لا يوجد مستحيل لو اردنا ويوجد المستحيل لو سوقنا له . اليوم المستحيل يسوق له واصبح كواقع حال وخوفي لو حصل المحضور ستطير الرقاب ويطير معه العراق ومن به وستبدئ سنوات الضياع ولكن ليس على طريقة المسلسل التركي وانما على طريقة صلاح الدين الايوبي الذي اطاح بالدولة الفاطمية او هتلر على الطريقة النازية والتاريخ خير شاهد على ذلك .
يا ساسة العراق لا تجعلوا العراق هدف لتسويق احقادكم واطماعكم فالعراق امانة في اعناقكم ويا شعب العراق المظلوم المظلومية ستكون اقسى لو مرروا عليكم مشروع التقسيم لا تنغروا بالكلام المعسول المغمس بدمائكم ليسحقوا مستقبلكم كما سحقوا ماضيكم العراق عراقكم ومن يطالب بتقطيعه يجب ان لا يجد مكان بينكم
مهزلة الربيع السني او الربيع الشيعي او النموذج الكردي خرافات للضحك على الذقون ومشروع مخطط له ويجب ان يفشل ويختفي من الوجد ثقوا لا فرق بين سني وشيعي او كردي وعربي وتركماني الا في العقول المريضة العراق كيان واحد متعدد الاطياف والثقافات وبها تكمن روعة العراق .
الاصلاح ثم الاصلاح والرجل المناسب في المكان المناسب يجب ان يكون شعار المرحلة الراهنة والانتخابات على الابواب فلنحسن الاختيار وكفانا ان نعمل بالعواطف
وعلى رأي الامام الصادق ع كل الضجيج والحجيج ليس بحاج الا انا وناقتي وعلي ابن يقطين , أي نعم كل هذا الضجيج والتطبيل لتقسيم العراق باطل ومبطن وغايات لم ينزل الله بها من سلطان لتقسيم كعكه العراق بينهم ويبقى الشعب على حاله مظلوم مهموم مهمش وما يزيد الطين بله لو قررننا التقسيم بأنفسنا لتكون القاسمة فعلا وينطبق علينا المثل جنت براقش على اهلها ! لأننا سنسحق بعجلة من يتربع على عروش هذه الدويلات وبأسهل ما يمكن لأننا سنكون اضعف مما تتصورن لانهم سحرة بزراعة الخوف في قلوبنا ودهاة في زعزعة النفوس . ولكن دعونا نبحث عن ابن يقطين الذي يخدم العراق وينجينا من شر اعمال من يريد للعراق التقسيم .فالوعي السياسي كما يقول افلاطون هو شعور الفرد بمرحلة المصير التاريخي لشعبه ووطنه . شعور الفرد بالمسؤولية كرائد والايمان بأنفسنا بأننا رواد التغيير نحو الافضل أي بمعنى ادق كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فلا تتخلوا عن هذه المسؤولية لان التخلي عنها سنقع في دائرة الفقر والجهل والاذلال .واخيرا وليس اخرا لا لتقسيم العراق ...العراق صقر العرب والاسلام ولا نكون كما قال المثل اللي ما يعرف الصقر يشويه !!!
د أقبال المؤمن




الاثنين، 7 يناير 2013

صراع الاجيال بين لغة الجمال والبغال ولغة الفيس بوك

صراع الاجيال بين لغة الجمال والبغال ولغة الفيس بوك
 
                                         
رسائل الثورة التكنلوجية للاتصال الاعلامي حولت طموحات الشارع العربي الى واقع ثوري انقلابي فاعل ضد الدكتاتوريات في العالم العربي غيرت كل المفاهيم التي كانت سائدة حول دور الجماهير السلبي في التغيير واستلام زمام الامور كما وصفها الفيلسوف الالماني نيتشه حين قال أن ( العامة لا عقل لها ) لان الجماهير اليوم هي غير الجماهير في عهد ينتشه, الجماهير اليوم شبابية واعية جامعية عاشت الواقع المر حد اللعنة لكنها تحمل في جعبتها ثورة معلوماتية جارفة جازمة على التغير وأثبات الوجود .
ثورة على الاعلام النمطي التقليدي المستهلك المؤدلج في خدمة الاحزاب الشمولية السادية الهادفة لتشويه الحقائق وقلب الموازين بكل الحالات والاحوال لصالحها .
اليوم تحول الاعلام من السلطة الرابعة الى ( السلطة الاولى ) له سحر سلطة التشريع والتنفيذ في ان واحد لان الاعلام أصبح بيد كل مواطن و لكل مواطن بإمكانه التعبير بأي وسيلة من وسائل الاتصال وبمختلف فنونه , فمفهوم الاعلام المواطناتي غير كل الموازين نقل الواقع بكل حقائقه المتوقعة وغير المتوقعة وترك هامش كبير للمتلقي بتقبل هذه الحقائق او رفضها وبما أن المظلومية مشتركة فالقبول أو التقبل لهذه الآراء والحقائق أصبحت أكثر واقعية وأعمق تأثيرا .
ولذلك فالثورة في كل من تونس ومصر نستطيع أن نطلق عليها ثورة الفيس بوك و التوتر وملايين المدونات الشبابية وهذا يعني انقلاب الاعلام الجديد الانترنيتي على الاعلام التقلدي الذي تهيمن عليه الحكومات الدكتاتورية و التي لا تفقه شيئنا من عالم النيت الفعال والذي لعب دورا فعالا بقلب كل القيم المتعارف عليها وغير مجرى التاريخ وسحق العادات والتقاليد التي حدت من قدرات الشعوب لدهور متعاقبة , عالم الانترنيت الذي لم ولن تستوعبه هذه الحكومات الدكتاتورية الهرمة وكل معرفتها به هو ما يصلها عنه من خلال تقارير أجهزتها الاستخبارية القمعية المحدودة الافق واول عمل تفعله لمحاربة شعبها هو قطع هذه الخدمات عنهم توقعا منها انها ستكون بسلام اذا ما قطعته غير مستوعبة ان النيت له مخارج متعددة ليتخلص من قبضتها وبدون استأذنا منها .
فالشباب في كل من تونس ومصر خططوا وحشدوا ونظروا وأتفقوا على التنفيذ أفضل من أي حزب تقليدي له من الاعضاء والشعبية والقيادة المعروفة , كل هذا حدث عن طريق الفيسبوك وتويتر والعشرات من المدونات الشخصية .
نلاحظ اليوم وبفضل تكنلوجيا الاتصالات أن أي بقعة في العالم لها اصداء وتفاعل واضح وصريح من كل حكومات وشعوب العالم ديمقراطية كانت او لاتزال ترسخ تحت حكام الطواغيت .وهذا كان واضح وصارخ في أحداث كل من تونس ومصر كل حسب ثقله وأهميته وكيف أثرت التصريحات الأتية من أمريكا وأوربا على مسار الاحداث في هذين البلدين فكلما كانت التصريحات الامريكية داعمة للشعوب المطالبة بحقوها كلما اشتدت قوة المعارضة وبالعكس وكانت الجماهير المنتفضة تترقب ردود الافعال البعيدة قبل القريبة , حتى أنهم لم ولن يعيروا اهمية لما تطرحه حكوماتهم المستبدة و هذا يعني ان العالم فعلا اصبح قرية معلوماتية صغيرة مفاتيحها بيد صاحبة الجلالة ( الاعلام) ومن يهيمن عليها . القوة العظمى أذن هي صاحبة هذه التكنولوجيا وأي تغير يتم حسب حساباتها ومصالحها الا أذا كانت الشعوب جاهزة لهذه المراوغة وتتحلى بالصمود والثبات على مواقفها وهذا ما لمسناه في صفوف الشباب الثائرة , فالمد والجزر بين هذه الاطراف المتصارعة وكما نقله الاعلام الجديد المساند و المرافق للأحداث الأخيرة وكيف أظهر لنا ان الجميع يراهن على الوقت وايهما اطول نفسا وأكثر أحقية في تحقيق أهدافه .
أذن المفروض على هذه الشبيبة الفاعلة ان تعلن نفسها بأسم حزب الفيس بوك المحرر للشعوب المظلومة وتدخل بهذا الاسم وهذه الفاعلية الى البرلمان المرتقب ولا تفسح المجال للأحزاب الهرمة البائسة التي تبحث عن الكراسي والمكاسب المادية لأنها فاقدة الجاه والمال ومنبوذة من الشعوب الثائرة .
ما ميز هذه الانتفاضات الثورية وخاصة في مصر عملية التنظيم والدقة في التوقيت , لقد نظمها الشباب الثائر بكل حرفية ودقة ومسؤولية وبأبسط وسائل التعبير وبالذات بالورق والكارتون وشعارات صادقة بسيطة تدخل القلوب بدون استأذنا أبعدتنا عن طروحات الحكومات المستهلكة والمتعالية على الجماهير و المستقوية على شعوبها بتنفيذ أجندات خارجية , طرحوا شعرات المرحلة الراهنة والمعبرة عن طموحات الجميع الا وهي الحرية في التعبير واحترام الرأي الاخر , التوزيع العادل لثروات البلاد , النزاهة والقضاء على الفساد , الديمقراطية بكل مفعولها وسحرها .
لكننا نجد بالمقابل كيف استعمل دكتاتور مصر أحقر الوسائل المتمثلة بالقمع والتهميش ومصادرة الحريات شاهدنا وسائلهم وعلى الهواء مباشرة المتخلفة كما هي عقولهم استعملوا الخيل والجمال والحمير والبغال للقضاء على الانتفاضة الشبابية التي تخطت الاقليمية وأصبحت شعلة للتغيير , اساليبهم ووسائلهم لم ترحم شابا ولا كهلا هدفها سحق الانسانية للبقاء جاثمة على قلوب الجماهير . الامر الذي شكل المتظاهرون جمعية لحماية أنفسهم والاستمرار في ايصال رسائلهم لتحقيق اهدافهم الا وهي رحيل الدكتاتور والبدء بالتغيير .
تابعنا اعلاميا المراوغة والضرب على اوتار الشعب الحساسة من قبل الدكتاتور الامر الذي اعلنت بعض الاحزاب التقليدية تلبية نداءه وهنا انقسم المتظاهرون على انفسهم الشباب رفضوا وبكل قوة وبصوت واحد لا حوار قبل رحيل حسني مبارك أما الاحزاب التقليدية التى قبلت العرض الحكومي , رفضت الحكومة فتح الحوار معها قبل انهاء الاعتصام وحل الانتفاضة وهنا خسرت هذه الاحزاب احترام نفسها واحترام كل الجماهير الغاضبة على الحكومة , هذه الاحزب لا زالت تفكر بعقلية السلطة نفسها همها الكرسي والمنصب والنهب والتسلق على اكتاف الشباب , فكرت بنفسها اولا وقبل كل شيء ضاربة هموم الشعب حتى في هذه الظروف التي من المفروض ان تكون بجانب الشعب او على الاقل تتحلى بالحيادية لكي تنصفها الجموع الغاضبة .
بالإضافة الى هذه المراوغة دخلت الاموال السعودية وكعادتها لشق الصف المصري كما فعلت في العراق وحسب ما ذكر في مصادر اعلامية مختلفة ان الحكومة السعودية خولت حسني مبارك بشراء الجيش وبعض المرتزقة لضرب المعارضة وبدم بارد وحدث اليوم ما كان متوقع الخطوة الاولى لجر البلاد الى حرب اهليه ربنا يستر من عواقبها ان لم تنتبه لها كافه الاطياف الوطنية والجيش بالذات لتدارك الموقف وسد الباب على هذه الاموال النجسة في تدمير الآمال والوحدة الوطنية ولتعلموا يا شباب مصر ان القلوب مشدودة لكم ونامل ان تتجاوزا هذه الفتنه وتستفيدوا من تجربة العراق وما مر به الشعب العراقي من ويلات الارهاب المصدر له من قبل الاشقاء -الاخوة الاعداء - في تدميره ولمدة تمان سنوات !!!
الإعلام الجديد هذا كما هو فعال في التغيير و تحرير الشعوب والعقول هو ايضا قادر على تهدئة الزوابع التي تثيرها هذه الانظمة الدكتاتورية والراعية للإرهاب وتقلب على رؤوسهم كل مخططاتهم العدوانية و تغير مساراتها لصالح مطالب الشعوب فالعراق خسر الكثير لأنه كان معزول اعلاميا لا كما هو عليه الان في انتفاضه مصر وكانت القنوات الفضائية العربية ضدة لا معه وتطبل للدكتاتوريات والاموال النجسة الواردة من رعاة الارهاب فسحقوا انتفاضته ونصروا الدكتاتور عليه .
الاعلام اليوم قدم لنا الشعب هو البطل والطاغية هو القزم وهي الحقيقة الغائبة منذ عقود والتى قربنا ان ننساها ونصدق العكس وبهذه الطريقة وهذا الاسلوب الجديد الحقيقي يتم التغير شئنا ام ابينا ولكن لو كان الاعلام التقليدي القديم هو سيد الموقف لشاهدنا ملهاة تشوه ما قام به الشعب البطل . اليوم نحكي ونتحاكى بكل هذه البطولات والاخلاص الشعبي والنزاهة التى تتمتع بها آلة الجيش المصري او التونسي هي الاخرى صورة رائعة خطها الاعلام التكنلوجي المواطناتي بالتضامن مع الوسائل الاعلامية الاخرى . فتحية لحزب الفيس بوك والتوتير واليوتيوب والمدونات الالكترونية وعالم الانترنيت الذي واجهه الطغاة بكل جبروتهم وأنتصر عليهم واسقطهم وهم لازالوا متمسكين بكراسيهم المستوردة وأحتضن كل شباب العالم العربي المهمش من قبل حكوماتهم وتفاعل معهم .
فالأعلام الجديد وبقيادة الشباب الواعي سينهي كل الدكتاتوريات المتسلطة على الرقاب وبالتدريج في كل البلدان العربية فيا شباب مصر طوبى لكم وصمودكم في تحطيم الصنم سيكون الخطوة الاولى في تحرير الوطن العربي من كل دكتاتور فاسق !
فحسني هو اصلا مهزم و مأزوم على يد ابنه وولي عهدة جمال الذي هرب مع سيدة مصر الاولى في اول يوم ظهرت فيه اول مجموعة شبابية معارضة خرجت للشارع الى لندن مصطحبين معهم عشرات الحقائب المحملة بأموال الشعب المصري المظلوم . وهذا يعني أنه مهما عمل من اعمال خسيسة بائسة او راوغ مراوغة بهلوانية ومهما اغرقوه اعداء التحرير بالأموال سيسقط عاجلا ام اجلا فهي مسألة وقت تقاس بالسويعات او الايام على أكثر تقدير .
وبهذا نرى اليوم انتفاضة الشعب المصري المتعطش للتغير , هي حرب تكنلوجيا المعلومات بكل علميتها و اعلامها ومؤثراتها على ألة كهلة متصدية تقودها الجمال والبغال وهي لغتها الوحيدة في التفاهم !!
أ.د.أقبال المؤمن

الجمعة، 30 نوفمبر 2012

أكراد العراق: لا لعراق فيدرالي.. نريد الاستقلال

العربية تقول : ترتفع هذه الأيام في إقليم كردستان الدعوات المطالبة بإعلان الاستقلال عن العراق في ضوء تصاعد الأزمة الراهنة بين حكومة الإقليم والمركز، ما يعني تفتيت العراق الى ثلاث دويلات: شيعية وسنية وكردية.

ونشرت وسائل إعلام كردية خارطة لهذه الدويلات التي ستشكل "الاتحاد العراقي الجديد" إلى جانب ما تسميه "مطالب شعبية" برفض تقديم تنازلات للحكومة الاتحادية فيما يتعلق بالمناطق المتنازع عليها (كركوك وصلاح الدين وديالى) بين الأكراد وباقي القوميات خصوصاً العرب والتركمان.
وجاءت هذه المطالبات في صحف وقنوات كردية خاصة بعد ساعات فقط من إعلان رئاسة إقليم كردستان، الخميس، فشل المفاوضات في بغداد لحل الأزمة.

وتدعو وسائل إعلام كردية إلى حشد جماهيري كردي يكشف "ازدواجية" الخطاب الحزبي الذي يرفع شعار الفيدرالية، وهي ترى أن الوقت قد أزف "لكي يستطيع الأكراد تحويل قضيتهم في العراق إلى قضية دولية ولكي يعلم العالم والكردستانيون أن القوى العراقية غير مستعدة للاعتراف بحقوق الشعب الكردستاني في جنوب كردستان والعمل على أساسها لرسم مصير إقليم كردستان نحو الاستقلال الذي يعترف أغلبية القادة الأكراد أنها حلمهم الخالد الذي يعيشون عليه".

وفي هذا السياق تتبنى صحيفة "صوت كردستان" المستقلة موقفاً معارضاً لسياسات زعيمي الحزبين الرئيسيين: الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وهما رئيس الإقليم مسعود بارزاني والرئيس العراقي جلال طالباني، وتصفها بالمنافقة في شأن إعلان رفضهما الاستقلال وتمسكهما علناً بوحدة العراق وبالنظام الفيدرالي.

خطوات نحو الاستقلال

وحثت الصحيفة على استمرار سياسة "قدم في بغداد وأخرى في أربيل" من خلال بقاء وزراء ونواب الأكراد في بغداد لممارسة الضغوط ومن ثم الانسحاب والعودة الى كردستان، واقترحت عدة خطوات قالت يجب العمل بها للوصول الى الاستقلال:

1. أن يعمل جلال طالباني من الآن فصاعدا من أجل الأكراد وحقوقهم ويقوم بتعيين الأكراد فقط تماما كما يفعل المالكي.

2. على هوشيار زيباري وبوصفه وزيرا للخارجية أن يقوم بفصل جميع السفراء الذين عينهم المالكي وحزبه ويعين بدلا منهم سفراء أكراد ويصدر قرارا بفتح فروع إقليم كردستان في جميع السفارات العراقية في العالم.

3. على البرلمانيين الأكراد في برلمان العراق تقديم اقتراح حول بحث قضية الأراضي المحتلة من كردستان في البرلمان و في حالة الرفض فإن الأكراد يستطيعون التوجه الى الأمم المتحدة و القوى الدولية الأخرى.

4. على الأكراد الطلب وبشكل رسمي من القائمة العراقية الادلاء برأيهم القاطع حول قوات دجلة والكف عن التصريحات الشفوية التي لا تعني شيئا.

5. على "بابكر الزيباري" بوصفه نائبا لقائد القوات المسلحة التوجة إلى كركوك وإعطاء الأوامر الى القطعات بالانسحاب من منطقة كركوك، نحن نعلم أن الجيش سوف لن يستمع إليه ولكن عليه الحضور الى وسائل الإعلام وكشف عدم تمتعه بأية سلطة على الجيش.

6. البدء ببيع النفط الكردستاني وتصديره مباشرة وعقد الاتفاقات مع الدول التي تقبل التعامل مع إقليم كردستان.

7. التمهيد لإجراء استفتاء عام في أراضي إقليم كردستان ومن ضمنها كركوك وباقي المدن الكردستانية واستغلال تواجد قوات البشمركة وخضوع هذه المناطق للإدارة الكردية من أجل تنفيذ الاستفتاء.

8. البدء بدعوة المنظمات الدولية من أجل مراقبة الاستفتاء.

9. محاولة تحريك الممثلين الأكراد والمنظمات الكردية في الأمم المتحدة من أجل بحث القضية الكردية في مجلس الأمن.

10. عدم اللجوء الى المواجهة العسكرية مع العراق وإبقاء الخلاف على المستوى السياسي و الإداري.

11. الانتهاء من هذه الإجراءات قبل إجراء الانتخابات البرلمانية القادمة العام المقبل في العراق والعمل على تأخيرها.

12. الانسحاب من بغداد بشكل كامل وإعلان الدولة الكردية.

وتضيف صحيفة "صوت كردستان" في مكان آخر وهي تعكس الكثير مما يخبئه الزعماء السياسيون الأكراد: "إننا لا نريد عراقا موحدا ولا فدراليا، إننا نريد الاستقلال لكردستان والانفصال من العراق."... "والوحدة مع باقي أجزاء كردستان وليس مع العراق أو إيران أو تركيا أو سوريا".
العربية -  نجاح محمد علي 30.11.2012

الاثنين، 17 سبتمبر 2012

قبل وبعد الربيع العربي الجيوبوليتيك ومفترق الطرق


بانتهاء عهد الحرب الباردة في أواخر الثمانينيات وتفكك الكتلة الاشتراكية وانحلال الاتحاد السوفييتي في العام 1991، انتقل الصراع الآيديولوجي العالمي، من ضفة إلى أخرى، لاسيما عندما اتّخذ من الإسلام السياسي عدوّاً جاهزاً لمحاربته، في إطار ما سمي بالنظام الدولي الجديد، الذي لعبت فيه الولايات المتحدة الدور المتسيّد والمتنفّذ في العلاقات الدولية، خصوصاً بانقضاء نظام القطبية الثنائية الذي طبع فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولمدّة قاربت من أربعة عقود ونصف من الزمان!
        ولعل من أبرز ملامح فترة الصراع الآيديولوجي مع الإسلام السياسي، كانت مسألة الإرهاب الدولي، التي استخدمت ذريعة لشنّ الحرب وإرسال الجيوش وذريعة و"تحقيق المصالح الحيوية" للقوى المتنفّذة، دون مراعاة مصالح الأمم والشعوب واعتبارات القانون الدولي، لدرجة أصبح العالم كلّه على الحافة واتّسعت في تلك الفترة بالذات نشاطات قوى التطرف والتعصب والغلو في العالمين العربي والإسلامي، الأمر الذي أعطى ذريعة جديدة لواشنطن لمواصلة ستراتيجيتها ضد تطلّعات الشعوب وأهدافها في التحرر والانعتاق والتنمية والإصلاح.
وكانت كلّما حدثت عملية إرهابية تتوجه الإنظار إلى المنطقة العربية- الإسلامية، مثلما حصل في أحداث أوكلاهوما العام 1995 والتي اتّضح أن لا علاقة للعرب والمسلمين بها. وإن الإرهاب لا وطن ولا هوية ولا جنسية ولا دين ولا مذهب ولا لغة له، إنه موجود في جميع المجتمعات ويمكن أن يستنفر في ظل أوضاع تؤدي إلى استفحاله أو تساهم في الحد من غلوائه، تبعاً للحالة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية وغيرها.


الجيولوليتيك والإرهاب الدولي
كانت أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية محطة أساسية وفاصلة بحكم تداعياتها التي طالت شعوباً وأمماً وثقافات وحضارات وأديان، وقد هيمن على العالم قلق ومخاوف إزاء استفحال وامتداد ظاهرة "الإرهاب الدولي" International Terrorism، وفي الوقت نفسه تباينت التفسيرات حوله بتباين الجهات والتيارات التي تقف خلفه وتديره، الأمر الذي بات من الضروري تسليط الضوء عليه للوقوف على أسبابه ومعرفة جذوره، خصوصاً بعد أن أصبح موضوع مكافحة الإرهاب الدولي موضوع الساعة، وذلك بعد الهجوم الذي بدأته الولايات المتحدة وبعض حلفائها ضد تنظيم القاعدة وأسامة ابن لادن وحكومة طالبان في أفغانستان، المتهمون بالعملية الارهابية الإجرامية ضد السكان المدنيين العزّل، الذي حصل في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا.
وإذا كان العالمان العربي والإسلامي قد شهدا تصعيداً خطيراً فيما يتعلق بالارهاب، فهما بالأساس كانا مستهدفان من جهة كون الذين اتهموا بالقيام بالعلميات الإرهابية ينتمون إليهما أولاً، وثانياً كونهما ظلاّ مترددان أو خارج نطاق الانخراط الفاعل أو بتعاون محدود ودون حماسة في الحملة الدولية ضد الإرهاب الدولي، التي قادتها الولايات المتحدة ضمن أهداف خاصة ووفقاً لمعطيات لم تشأ نشرها أو إطلاع الدول والحكومات عليها، علماً بأنها  كانت قد طلبت من الدول العربية والإسلامية التعاون الأمني واللوجستي لمكافحة الإرهاب، دون تقديم معطيات ملموسة لها، وهو الأمر الذي استمر يتكرر لمدة زادت على عقد من الزمان، حيث قامت طائرات أمريكية دون طيار في الغالب بقصف مواقع في الباكستان وأفغانستان واليمن والعراق وغيرها بحجة ملاحقة الإرهابيين، دون أي مراعاة للقوانين الدولية ولحدود وسيادة الدول وحرمة أراضيها، تلك التي يتضمنها ميثاق الأمم المتحدة.
وترافقت الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب الدولي بتصعيد "إسرائيل" وخصوصاً في عهد حكومة شارون من أعمالها الإرهابية ضد الشعب العربي الفلسطيني، مستغلة تلك الحملة ومحاولة دمغ المقاومة السلمية المدنية للاحتلال والإستيطان بالإرهاب، وهو الأمر الذي تكرر ولا يزال في حصار غزة المستمر منذ العام 2006 وحتى الآن وفي الحرب المفتوحة عليها، سواء في أواخر العام 2008 ومطلع العام 2009 والتي دامت 22 يوماً أو في عمليات القصف المستمر وترويع السكان المدنيين بحجة ملاحقة الناشطين من تنظيمات المقاومة الفلسطينية الذين تتهمهم بالارهاب، وكذلك في الحرب على لبنان التي دامت 33 يوماً في العام 2006 واستمرار تهديد سيادتها واستقلالها، فضلاً عن الاحتفاظ بأراضي لبنانية محتلة في مزارع شبعا، ظلّت حتى بعد اضطرار "إسرائيل" للانسحاب من لبنان وهزيمتها في العام 2000.
لقداستخدمت الولايات المتحدة القوة المسلحة لأجل بلوغ أهداف سياسية، وحضّرت لهذه الستراتيجية، بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، وقبل انتهاء الحرب الباردة، ولكنها تعاظمت بعد انفرادها في الساحة الدولية كلاعب أساس منذ أواخر الثمانينيات وحتى الآن.

الجيوبوليتيك واستعادة الماضي بهدف الحاضر
يمكن باختصار تسليط الضوء على أهم محطات الاستراتيجية الأمريكية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبداية عهد الحرب الباردة وإلى اليوم، بهدف المساعدة في قراءة استعادية للماضي القريب:
المحطة الأولى: مبدأ ترومان، الذي قام على فكرة " القوة الضاربة" وهي فكرة مفادها إعطاء الحق للولايات المتحدة للتدخل بقوة عسكرية حين تقتضي مصالحها. وهي الخطة التي طبقت في كوريا والفيتنام وأمريكا اللاتينية وغيرها. وكان الرئيس ترومان قد أعلن هذا المبدأ في 12 آذار (مارس) 1947، وهو العام الذي شهد إعلان ونستون تشرشل الحرب الباردة من طرف العالم الحر ضد الشيوعية والاتحاد السوفييتي.
المحطة الثانية: مبدأ ايزنهاور، الذي اعتمد على ما سمي بـ"نظرية ملء الفراغ" حفاظاً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة وهو ما سيتم التطرق إليه لاحقاً.
المحطة الثالثة: مبدأ نيكسون، الذي قام على نظرية " الدركي بالوكالة"  وهو دعوة لصيغة مشاركة من قبل حلفاء الولايات المتحدة في تحمل أعباء النفقات العسكرية واستقطاب متعدد الأطراف حسب بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأسبق فيما بعد .
المحطة الرابعة: مبدأ كارتر المعروف بـ" التدخل السريع والمباشر"  الذي بموجبه يحق لواشنطن أن تتصدى بأي وسيلة بما فيها القوة المسلحة " أي تطاول" على المصالح  الحيوية للولايات المتحدة وهو ما عناه بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأسبق " قوس الأزمات والعمليات الصاعقة" الذي يعني التدخل المسلح لمجرد وجود خطر وشيك الوقوع ومحتمل يهدد المصالح الحيوية للولايات المتحدة.
وعلى هذا الأساس تحدّدت "استراتيجية الحرب ونصف الحرب" حسب المناطق. فالمنطقة الأولى أوروبا، والمنطقة الثانية هي الشرق الأقصى، أما المنطقة الثالثة فهي الشرق الأوسط. وتعني هذه الاستراتيجية أن يكون للولايات المتحدة القدرة على شن حرب شاملة في أوروبا وفي نفس الوقت تستطيع أن تشن نصف حرب في أي مكان من العالم، أي حرب أساسية( ضد الاتحاد السوفييتي السابق) وحرب فرعية (في أي بقعة من العالم).
إن مبدأ كارتر هو استمرار لمبدأ أيزنهاور المعروف بمبدأ "إملاء الفراغ" تبعاً "للمصالح الحيوية" بوجه " الخطر السوفيتي" وبموجب ذلك فوّض الكونغرس الأمريكي الرئيس " سلطة استخدام القوة العسكرية" وحق استقدام قواتها لمساعدة أي بلد أو مجموعة من البلدان تطلب المساعدة .
وقد عبّر عن ذلك منذ وقت مبكر جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكي الأسبق لدى زيارته للشرق الأوسط عام 1953 بضرورة بناء " الحزام الشمالي" وفي جنوب شرق أسيا عبّر عنها بفكرة بناء " السدود المنيعة".
وحول مصطلح " المصالح الحيوية" فتجدر الاشارة إلى أنه ليس جديداً بل يعود إلى عهد الرئيس الأمريكي مونرو، الذي اعتبر نصف العالم الغربي مجالاً حيوياً للمصالح الأمريكية. ووسع الرئيس ترومان من هذا المفهوم فشمل حوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط، أما الرئيس كارتر، فقد أدرج في هذا المجال، أوروبا الغربية والدول الاسكندينافية وأفريقيا والشرق الأدنى وجنوب شرقي آسيا.
ثم تطور الأمر على يديه ليعتبر العالم كله مجالاً حيوياً للمصالح الأمريكية وخصوصاً منابع النفط في الخليج العربي، حيث يحقّ لواشنطن أن تصدّ بأية وسيلة، بما فيها القوة المسلحة، أي تطاول على المصالح الحيوية الأمريكية.
ولعل هذا بالضبط ما قصده المفكر الأمريكي اليهودي نعوم تشومسكي بالقول: إن النظام الأمريكي هو نظام مركزي كوني، وهو صورة للنظام العالمي الجديد وإن " أي تحدٍّ له لا يمكن التسامح حياله: فكل عمل من جانب الولايات المتحدة يهدف لتعزيز نظامها وآيديولوجيتها والحالة هذه هو عمل دفاعي"
المحطة الخامسة: مبدأ ريغان، المعروف بـ" مبدأ التوافق الستراتيجي" الذي تم بموجبه تطوير فكرة الحيوية وتحقيقاً لأهداف المجمّع الصناعي- الحربي، الهادف إلى بسط السيطرة الأمريكية على مناطق شاسعة من العالم وتطبيقاً لسياسة العصا الغليظة، الذي اتخذ شكل هيمنة وتسيّد على العالم بعد انهيار الكتلة الشرقية.
لقد تطورت نظرية الحرب ونصف الحرب في عهد ريغان، لتصبح " نظرية الحربين ونصف الحرب" حسب كاسبار واينبرغر في أوروبا والخليج وحروبصغيرة في أمريكا اللاتينية .
المحطة السادسة: مبدأ الإستخدام الأوسع لنظرية القوة المسلحة" وهو المبدأ الذي دشنه الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب ومن بعده الرئيس كلينتون ثم الرئيس جورج دبليو بوش الإبن، إذ جرى تقديم القوة المسلحة وسيلة لفض النزاعات الدولية على الوسائل السياسية السلمية وحتى قبل استنفاذها، وربما دون إعارة اهتمام لها وبشكل خاص في إدارة الرئيس بوش الإبن، التي دأبت خلال ثماني سنوات على رفع درجة حدّة التوتر العالي مستغلة أحداث 11 أيلول (سبتمبر) في محاولة لابتزاز العالم أجمع، لاسيما بدفع الأمم المتحدة على اتخاذ قرارات تبيح لها شن حرب استباقية أو حروب وقائية، بزعم تدارك الأمر في مواجهة الإرهابيين، وخصوصاً القرارات الثلاث، الأول: القرار 1368 الصادر في 12 أيلول (سبتمبر) 2001 والثاني: القرار 1373 الصادر في 28 أيلول (سبتمبر) من العام نفسه، وهو أخطر قرار في تاريخ الأمم المتحدة والثالث: القرار 1390 الصادر في 16 كانون الثاني (يناير) 2002، وهي قرارات شرعنت للقوى المتنفّذة القيام بإجراءات واتخاذ خطوات بما فيها شن الحرب بزعم أن خطراً وشيك الوقوع يمكن أن يحدث.
وتمكّنت واشنطن من توظيف تلك القرارات بما يخدم أهدافها الستراتيجية الحيوية، حيث انقلبت الآية من مكافحة الارهاب إلى القيام بإرهاب الدولة واحتلال أراضي والتدخل بشؤون الدول الأخرى وفرض الهيمنة بزعم ملاحقة الإرهابيين والإرهاب ونشر قيم الحرية والديمقراطية.
المحطة السابعة: فترة رئاسة أوباما التي واجهت منذ بداياتها تحدّيات كبرى وتركة ثقيلة على الصعيد الداخلي أو الخارجي، وعلى المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي، تلك التي تجلّت بالأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي ضربت الولايات المتحدة بالصميم، لاسيما بانهيار مصارف كبرى وشركات تأمين عملاقة، إلاّ نهج واشنطن وخصوصاً إزاء القضايا الأساسية لم يتغيّر، وإنْ أصبحت أكثر تأنياً، بعد أن كانت أكثر اندفاعاً.
إن سياسة واشنطن على الرغم من كل وعود الرئيس أوباما هي المسؤولة عن انهيار سمعتها التي تدهورت إلى الحضيض، لاسيما في العالم الثالث، بل على المستوى العالمي، خصوصاً بعد كشف فضيحة سجن أبو غريب والسجون السرّية الطائرة والسجون السرّية العائمة وسجن غوانتانامو، وما حصل في سجن قلعة جانكي في أفغانستان وممارسات التعذيب، حيث شكّلت المشهد الأكثر حساسية لضمير مجتمعاتنا، بل وللضمير الإنساني بشكل عام.
ولم تتعافَ الولايات المتحدة من وطئ سياساتها حتى يومنا هذا، ولم تفلح خطابات الرئيس أوباما لتعويض سلفه الرئيس بوش، لاسيما خطابه من جامعة القاهرة في (حزيران/يونيو) 2009 بُعيد توليّه مهماته في البيت الأبيض ببضعة أسابيع، بتأكيده احترام العرب والمسلمين وخصوصياتهم والحديث عن المشترك الانساني، وكذلك تعهّده بإغلاق سجن غوانتانامو الذي لم يتحقق على الرغم من أن ولايته تشارف على الإنتهاء (نهاية العام 2013)، فقد ظلّت تلك علامة سلبية في السياسة الأمريكية، وأخذ العالم يتحدث عن التعذيب للإيهام بالإغراق، وحفلات الاغتصاب الجنسي والجماعي والصور الشاذة والكلاب الجائعة والماركات المسجّلة، والمدموغة Made in USA.
أفغانستان والعراق والمشهد الجيوبوليتيكي الأمريكي
اضطرّت واشنطن، وخصوصاً بعد فشل حملتها لمكافحة الإرهاب ولاسيما بعد غزو واحتلال أفغانستان العام 2001 والعراق العام 2003 إلى دفع جنودها بكثافة لتحقيق ستراتيجيتها، الأمر الذي ألحق بها خسائر فادحة مادياً ومعنوياً، فمن جهة بشّرت الولايات المتحدة العالم أن العراق لا يملك أسلحة دمار شامل بعد تفتيش دقيق لطول البلاد وعرضها (العام 2005)، وكذلك سكتت عن مزاعمها بشأن علاقته بالارهاب الدولي وبتنظيمات القاعدة، ولو كان الأمر كذلك لتم كشف الأوراق التي كانت "مبرراً" لزعم الولايات المتحدة لشن الحرب على العراق، خارج نطاق ما يسمى بالشرعية الدولية ودون تفويض من الأمم المتحدة، التي عادت وشرعنت الاحتلال بالقرار 1483 الصادر في 22 أيار (مايو) 2003، وأخضعت كل ما حصل لاتفاقيات جنيف لعام 1949 ولقواعد القانون الدولي الإنساني.
وابتلعت الولايات المتحدة لسانها بخصوص الديمقراطية المزعومة، المحمولة على الطائرات، والمصاحبة لسمفونيات القصف المستمر على بغداد، ولاحقاً انفلات أعمال إرهاب لا حدود لها، واكتفت واشنطن بالحديث عن الاستقرار والهروب إلى الأمام بإعلان الانسحاب بعد اتفاقية استمرت 3 سنوت (أواخر العام 2008 ولغاية 31 كانون الأول /ديسمبر 2011) ولكن اتفاقية التعاون الستراتيجي، التي هي أكثر خطورة ونعومة لا تزال مستمرة وتكبّل العراق وترهق كاهله، بل وتجعله من الناحية الفعلية وتحت باب التعاون والصداقة واقعاً تحت النفوذ الأمريكي.
واضطرت بفعل ثلاث عوامل إلى الإنسحاب من العراق هي :
العامل الأول- موجة المقاومة السلمية- المدنية التي واجهتها والتي لم تكن تتصورها، إضافة إلى مقاومة مسلحة، وقد سبّبت لها خسائر مادية ومعنوية كبيرة، ليس أقلّها الأرقام الرسمية، حيث خسرت نحو 4800 قتيل و 26 ألف جريح وأكثر من تريليون دولار لنهاية العام 2008 وربما يصل الرقم إلى ضعفين، حتى إتمام انسحابها مع بقاء بعض ذيول جيشها وسفارتها التي هي أكبر سفارة في العالم.
والعامل الثاني- ضغط الرأي العام الأمريكي والأوروبي والغربي، عموماً بخصوص لا أخلاقية الغزو، لاسيما بعد الفضائح الكثيرة التي رافقته، ناهيكم عن كونه لم يحطْ على ترخيص من الأمم المتحدة أو المجتمع الدولي، الأمر الذي وضع أكثر من علامة استفهام حوله، خصوصاً بعد الخسائر التي تعرّضت لها واشنطن في العراق.
والعامل الثالث- الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي اجتاحت الولايات المتحدة، وضربتها بالصميم وادّت إلى انهيار مصارف كبرى وشركات تأمين عملاقة، وهي لم تعد قادرة على استمرار احتلالها الذي كلّقها أثماناً باهظة.
لقد طبعت واشنطن العقد الماضي كلّه بطابعها، فعززت من نشر أطروحاتها بصدد مكافحة الإرهاب الدولي، معتبرة كل عمل ضدها يندرج في هذا الإطار، حتى ولو كان مقاوماًَ وروّجت لمفهوم الحرب الاستباقية أو الحرب الوقائية كما أشرنا، وطرحت فكرة التفكيك وإعادة البناء، وفقاً لما يسمى بالفوضى الخلاقة، كما روّجت لأطروحة الديمقراطية والإصلاح وحاولت ابتزاز بلدان عربية وإسلامية لتغيير مناهجها والتدخل بشؤونها فيما يتعلق بالخيارات الاجتماعية.
ولذلك فإنها بعد الربيع العربي وقفت في بداية الأمر بحالة ذهول لما حصل في تونس ومصر، ثم تصرفت على نحو براغماتي للاتصال بالحركات الإسلامية للتعرّف عليها مباشرة وفهمها ودراسة إمكانية التعاون معها بعد أن أصبحت الأنظمة الاستبدادية التي دعمتها في خبر كان.
واضطرّت واشنطن إلى جرجرة هزيمتها في أفغانستان فعلى الرغم من مرور نحو 11 عام على غزوه فإنها غير قادرة على حفظ الأمن واستتباب الوضع، وأن الحكومات التي جاءت بها لا تزال عاجزة، وأعمال العنف والارهاب ومقاومة وجودها العسكري لا تزال قائمة. وبسبب ذلك ولوجود تنظيمات القاعدة التي تعاملت معها باكستان ببراغماتية ومصلحية، فإن علاقتها  ساءت مع الباكستان وهي دولة إسلامية مهمة، ولها موقع نووي أيضاً وتلعب دوراً مؤثراً في جنوب آسيا وغربها، فضلاً عن دورها الإسلامي، خصوصاً علاقاتها مع الصين.

الجيوبوليتيك والربيع العربي
ثمة محاور أساسية تندرج تحت هذا العنوان الواسع والكبير، لاسيما في فترة تغييرات هائلة يمرّ بها العالم العربي، سواءً في البلدان التي شهدت احتجاجات وتظاهرات وصراعات مختلفة أدّت إلى الإطاحة بالأنظمة أو في البلدان التي ظلّت بمعزل عنها، لكنها لن تكون بعيدة عن تأثيراتها حتى وإنْ أتت بعد حين، لأن عملية التغيير والانتقال الديمقراطي جزء من قانون طبيعي للتطور التاريخي وصلت مفاعيله اليوم إلى البلدان العربية، بعد أن مرّت موجته الأولى في أوروبا الغربية في السبعينيات، واجتاحت الموجة الثانية أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات، وفي فترة متزامنة ومتعاقبة وصلت الموجة إلى أمريكا اللاتينية، وها هي الموجة الثالثة للتغيير تصل إلى البلدان العربية.
بدت صورة البلدان العربية خارجياً، وكأنها استعصاءٌ أو استثناءٌ من عملية الانتقال الديمقراطي على الرغم مما يدور في داخلها، وإذا بالحراك الشعبي الذي بدأ من تونس يزحف سريعاً وينتقل إلى مصر ومنها إلى العديد من البلدان العربية. ولعل المتمعّن في أوضاع بلادنا العربية، سيدرك أن هناك تراكماً تدريجياً لم يظهر تغييره النوعي إلاّ حين نضجت اللحظة الثورية، تنبؤية، ولم يكن الأمر إذاً صدفة أو إشارة غامضة جاءت من الخارج، وإن بدا مفاجأة، لاسيما إيقاعها السريع، وكانت قد تكشفت على نحو لم يسبق له مثيل العلاقة غير السويّة بين الحاكم والمحكوم التي وصلت إلى إنسداد أفق، وإلى طريق مسدود بتعاظم العسف وشحٌ الحريات واستشراء الفساد، فحانت لحظة الإنفجار حين اندلعت الثورات العربية الواحدة تلو الأخرى.
لعل الحراك الشعبي والرغبة في التغيير كان تراكماً طويل الأمد شمل ما هو سياسي واجتماعي واقتصادي ونقابي ومهني، حيث كان يتمظهر ثم يخبو، حتى يكاد يقترب من الانطفاء، بسبب عوامل موضوعية وأخرى ذاتية، لكنه لا ينقطع، وظلّ مستمراً ومتواصلاً على الرغم من الصعود والنزول، إلى أن جاء موعد اللحظة الثورية المثيرة للدهشة حد المفاجأة، يوم أحرق بوعزيزي نفسه في تلك المدينة النائية "سيدي بو زيد" فانتقلت الشرارة وسرت مثل النار في الهشيم، وكما يقول ماوتسي تونغ: يكفي شرارة واحدة لكي يشتعل السهل كلّه.
حصلت اللحظة الثورية حين نضجت وتفاعلت واتّحدت العوامل الموضوعية، والعوامل الذاتية، لاسيما عندما انتقل الخوف من المحكومين، إلى الحاكم، فلم يعد هناك ما يخيف الشعب بعد أن عملت آلة الإذلال والكبت والقتل ما عملته، بالشعب الأعزل، وعندها لم يعد الموت مرعباً، في حين أصبح، هذا الموت، يخيف الحاكم الذي أخذ بالتراجع خطوة بعد أخرى، وتصريحاً بعد تلميح، وإجراءً بعد آخر.
وهنا اختلّت موازين القوى لصالح المحكومين في حين ظل الحاكم يبحث عن ملاذ، فقد وجده زين العابدين بن علي في الرحيل، وفي حالة محمد حسني مبارك كان بالتنازل بعد تطمينات من الجيش، الذي كان الخطوة الانتقالية للسلطة في البلدين، بينما في حالة القذافي فقد لاذ بالفرار، لكنه لم يتمكن من النجاة واضطر علي عبدالله صالح إلى التوقيع على المبادرة الخليجية بعد مماطلة دامت نحو ثمانية أشهر، في حين ظل بشار الأسد متمسكاً بالسلطة، مثلما ظلّت التظاهرات الشعبية مستمرة ودون انقطاع منذ 15 آذار (مارس) من العام الجاري(2011)، ودخلت الأزمة السورية مرحلة جديدة وخطيرة حين بدأ مسلسل العقوبات من جانب جامعة الدول العربية الذي انتقل إلى مجلس الأمن، الأمر الذي ساهم في تدويل المسألة السورية.
وبعد مرور أكثر من 15 شهراً فإن جميع فرق المراقبة العربية والدولية، بما فيها التي يترأسها كوفي أنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة، لم تفلح في إيقاف نزيف الدم ووضع حد لأعمال القمع والعنف والصدام، وأستطيع القول أن الأزمة السورية دخلت في نفق ضيق وسيكون الخروج منه عسيراً وأن كلاً من السلطة والمعارضة، لاسيما المسلحة، دخلا في سباق أقرب إلى المصارعة على الطريقة الرومانية لا ينتهي إلاّ بموت أحد المتصارعين ووصول الثاني إلى حالة من الإعياء والإنهاك أقرب النهاية، ولكن الشعب سيدفع الثمن باهظاً، ولاسيما إذا استمر نار العقوبات والاحتراب والقمع ، خصوصاً وهو يعاني منذ أربعة عقود ونيّف من الزمان من الاستئثار بالحكم والتفرد فيه ومن الفساد وهدر الحريات .
لعل أهم المشتركات للثورات العربية تتلخص بالمطالبة بالحريات والكرامة الانسانية ومحاربة الفساد المالي والإداري المستشريين، لاسيما تماهي السلطة مع المال. وكانت تقارير التنمية البشرية لسنوات قد شخّصت الحال بهدر الحريات والنقص الفادح في المعرفة والافتئات على حقوق الأقليات وعدم مساواة المرأة بالرجل، وتلك القضايا شكّلت المشهد الذي يكاد يكون مشتركاً للوضع العربي، وإن كان هناك بعض الخصوصيات، فمثلاً إن وضعية المرأة وحقوقها كانت مكفولة في تونس قانونياً وهي تختلف عن العديد من البلدان العربية منذ عهد الرئيس بورقيبة بعد الاستقلال في العام 1956.
وإذا كانت  تونس تعيش في كنف الحزب الواحد وكذلك سوريا حيث " الحزب القائد" أما ليبيا فإن تشكيلات "اللجان الثورية" لا يمكن إدراجها تحت أي مسمّى سوى "الحزب الواحد" مع تحريم الحزبية " من تحزّب خان"، فإن مصر كانت قد وجدت في فكرة التعددية الشكلية طريقاً للحكم، في حين كانت اليمن تعيش توازناً إلى حد ما بين حزب السلطة " المؤتمر الشعبي" والمعارضة السياسية الممثلة "بأحزاب اللقاء الوطني"، لاسيما في العقد الأخير. أما البحرين فإن التباس العامل الإقليمي ساهم في تضبيب صورتها، لاسيما وأن القوة الأساسية فيها من حركة الوفاق الشيعية، الأمر سهّل اتهام إيران بالتدخل في شؤونها، علماً بأن لجنة التحقيق الدولية برئاسة الخبير الدولي محمود شريف بسيوني لم تلحظ أو تتوفر لديها معطيات لهذا التدخل، وقد بادر مجلس التعاون الخليجي، ولاسيما المملكة العربية السعودية بإرسال قوات تحت عنوان "درع الخليج" للدفاع عن الحكم في البحرين، لكن المسألة لم تهدأ بعد واحتمالات انفجاراتها لا زال مستمراً، إذ أن جذوتها حتى الآن متّقدة، وخصوصاً في ظل الشحن الطائفي والمذهبي وحملات المواجهة والعنف.
لم يكن في البلدان العربية عشية الاحتجاجات الشعبية ما يشير أو حتى يوحي في بعضها على الأقل، أن الذي حدث سيحدث، في حين كان العالم يراكم خبرات وتجارب على هذا الصعيد، إلى أن حصل التراكم التدريجي ذروته، فانفجر الوضع في بعض البلدان وتأخر في أخرى، وحتى البلدان التي لم يتحقق فيها التغيير ثورياً فلم تكن بمنأى عن استحقاقاته.
وبغضّ النظر عن نتائج الحراك الشعبي العربي وتداخلاته الإقليمية والدولية أحياناً، فإنه بلا أدنى شك غيّر الصورة النمطية السائدة عن العرب، تلك التي كانت أقرب إلى السكون، وإذا بالعديد من البلدان العربية تمرّ بحركة غير مشهودة، حيث تنزل الجماهير إلى الشوارع والساحات تريد تغيير مستقبلها وصناعة مصيرها، وعلى الرغم من حرمانها واستلابها فقد رفعت شعارات سلمية وذات طبيعة مدنية، وبغلبة للشبابية والوسطية والاعتدالية والمطالبة بالحريات والكرامة الانسانية ومحاربة الفساد، ومثّلت هذه السمات مشتركاً لجميع الحركات الاحتجاجية الشعبية، وإنْ كان لكل بلد خصوصيته وتطور مطالبه وشعاراته، لكنها في بداية الأمر رفعت هذه الشعارات ذات الصفة المطلبية تلك التي لم يجر التعامل معها بصورة إيجابية، فزاد الأمر تعقيداً، حتى غدت مطالب من قبيل تغيير الأنظمة، كحد أدنى، لا يمكن القبول بأقل منها.
لقد دلّ الحراك الشعبي على أصالة حركة التغيير، التي لم تكن سوى نتاج تفاعل سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي داخلي ونضالات طويلة ومعقّدة لقوى وحركات سياسية وفكرية، على مدى عقود من الزمان، ناهيكم عن عوامل موضوعية وأخرى ذاتية، مع وجود أوضاع دولية مشجعة، خصوصاً الموجة الداعمة لقضايا حقوق الانسان والحريات على المستوى العالمي، تلك التي ازداد رصيدها منذ انتهاء عهد الحرب الباردة في أواخر الثمانينيات، وحتى وإن تم توظيفها لأغراض سياسية الاّ أنها موضوعياً خلقت أجواء مناسبة دولياً للتغيير والانتقال الديمقراطي، بغض النظر عن ازدواجية المعايير وانتقائية السياسات.
وأكّد الحراك الشعبي ان عملية التغيير لا يمكن صنعها في الخارج أو زرعها في بيئة غير مناسبة وفي أجواء غير صحية، والاّ فإن الثورات ستذبل وتدريجياً ستموت وقد تتحول إلى ضدها، فلكل تربة لها كيمياء خاصة، وإن كان هناك مشتركات، وعلاقة جدلية بين الداخل والخارج. ولا يمكن أن تنجح ثورة في العالم دون وجود مثل هذه الجدلية على مرّ التاريخ، وإن اختلفت موازين القوى، خصوصاً ونحن نتحدث في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
وقد لعب الاعلام وشبكات الاتصال والمواصلات والثورة العلمية والتكنولوجية والطفرة الرقمية " الديجيتل" دوراً كبيراً في ربط البلدان العربية بالعالم، وكذلك بدول الجوار التي بدت مؤثرة، كما أنه رفع من درجة وعي المجتمعات ودفعها إلى التفاعل، لكي تلعب دوراً في عمليه التغيير ورسم صورة المستقبل.
ودلّ الحراك على دور الشباب وحيويته، حيث كان يمثل العقل المدبّر والساعد المنفّذ، وحتى وإن بدى الحراك عفوياً، وقد كان كذلك، الاّ أنه لم يكن بمعزل عن تراكمات طويلة الأمد، ساهم المجتمع المدني على ضعفه ومشكلاته في تهيئة المستلزمات الأولى لها أو الدعوة إليها، وكذلك القوى والفاعليات السياسية والفكرية، كما كشف الحراك عن النزعة الوسطية الاعتدالية الجامعة، وهي التي ظهرت لدى جميع التحركات الشعبية، حتى وإن اتخذ بعضها طابعاً عنفياً، الاّ أنه ظل محدوداً بشكل عام، ولم يلجأ إليه الاّ بعد عنف مضاد أو دفاعاً عن النفس، وإن تطوّر الأمر لاحقاً، لاسيما بالتداخل الخارجي، وظهور بعض المجموعات المسلّحة.
إن عملية التغييرموضوعياً ودون إسقاط رغبات الكبح أو الانفلات، ستطرح الكثير من القضايا التي ستطفو على السطح مثل الموقف من الأقليات والتنوّع الثقافي، لاسيما الديني والطائفي والإثني، فمثلاً برزت المسألة الدينية في مصر (مشكلة الأقباط) وفي سوريا برزت (المشكلة الكردية) وكذلك البعد الطائفي والمذهبي كجزء من صراع مستتر (السنّة والعلويون والدروز) وكذلك الانقسام الديني (مشكلة المسيحيين)، والمشكلة العشائرية وكذلك المناطقية، في ليبيا وفي اليمن، ولاسيما مشكلة الجنوب ومشكلة الحوثيين وبعض القضايا والمشاكل القبلية الأخرى أيضاً، وفي البحرين المشكلة الطائفية (الشيعة والسنّة) ودور التداخلات الخارجية، (إيران في مواجهة دول مجلس التعاون الخليجي)، وكان إتهام إيران في محاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطن قد زاد من الطين بلّة، باشتباك ما هو دولي بما هو إقليمي وهذان العاملان بما هو عربي.
وستبرز قضية المرأة وموضوع الشريعة الاسلامية، خصوصاً إن هناك صراعاً بين الإسلام السياسي والعلمانيين، وبين المحافظين والليبراليين، وبين التراثي والتغريبي، وهكذا، وأعتقد أن موضوع الشريعة سيكون مادة صراع بين الاسلاميين أنفسهم هذه المرة، خصوصاً وأن هناك قراءات متباينة للاسلام وتطبيقاته، بين إسلاميين معتدلين وآخرين متطرفين، بين إسلام منفتح تركي وإسلام راديكالي إيراني، وإسلام معتدل وآخر محافظ، وإسلام متسامح وآخر متعصب وإسلام مسالم وآخر ارهابي، كما هي منظمات القاعدة، وذلك حين يتم استخدام الدين وتوظيفه لأغراض سياسية. ومثل هذا الأمر انعكس في الجدل حول الدستور في تونس ومصر وليبيا وقبل ذلك في المغرب، وسيكون محط نقاش واسع في اليمن وسوريا والبحرين وغيرها.
وقد كانت وثيقة الازهر الشريف التي أعلنها د. أحمد الطيب شيخ الأزهر بالتعاون مع نخبة من المثقفين المصريين من اتجاهات مختلفة تعبيراً جديداً عن ارتفاع الموجة الوسطية التي تدعو إلى "قيام دولة وطنية دستورية ديمقراطية حديثة" في "إطار ستراتيجية توافقية" أساسها مبادئ الحرية والعدل والمساواة، ولم تكن تلك بعيدةً عن التطور الذي شهده الاسلام التركي، التي عبّر عنه برامج حزب العدالة والتنمية، لاسيما رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان حين اعتبر عدم وجود تناقض لكونه رئيساً لدولة علمانية، وإن كانت مرجعيته الشخصية إسلامية، لاسيما بوضع مسافة واحدة من جميع الأديان.
ولعل مثل هذا الأمر سيطرح على شكل أسئلة أخرى أبعد من علاقة الدين بالدولة، بل بشكل الدولة، خصوصاً في إطار التنوّع الثقافي ولوجود قوميات وأديان: هل الدولة الديمقراطية المنشودة ستكون دولة بسيطة أم مركبة؟، أي، دولة مركزية أو دولة لا مركزية وحتى فيدرالية، بتوزيع الصلاحيات بين السلطات الاتحادية وبين السلطات المحلية، علماً بأن هناك تشوشاً والتباساً بين مفهوم الفيدرالية وغيره من المفاهيم التي قد تصل إلى الانفصال أو التقسيم بشكل مباشر أو غير مباشر، وبين مفهوم الفيدرالية الإداري والقانوني، الأمر الذي يحتاج إلى فضّ الاشتباك وتأصيل المفاهيم وتوضيح ذلك بما لا يؤدي إلى الإساءة للنظام الفيدرالي وهو نظام متطور ويعيش في ظلّه أكثر من 40% من سكان العالم، ونحو 25 بلداً بما فيها بلدان كبرى ومؤثرة، وبما يعزّز من المسار الديمقراطي بحيث لا يؤدي إلى تفتيت الكيانات القائمة بدعوى رفض المركزية التي تحمل صورة مشوّهة عنها مثلما هي أنظمة العديد من البلدان العربية، كما لا ينبغي أن يكون مبرّراً أو ذريعة لتفتيت دول المنطقة، حيث ينصرف الذهن إلى التجربة العراقية التي هي أقرب الكانتونات والدوقيات والمناطقيات منها إلى قواعد الفيدرالية المعتمدة دولياً ودستورياً، وفي إطار حق تقرير المصير، لاسيما للقوميات وباسلوب ديمقراطي وظروف سلمية وطبيعية.
لقد أعاد الحراك الشعبي العالم العربي إلى السياسة التي تم النظر إليها باعتبارها حكراً على نخبة أو مجموعة، فدفع الملايين من الناس إلى الساحات والشوارع لتدعو إلى عقد اجتماعي جديد بين الحاكم والمحكوم، وعلى أسس مختلفة، بحيث يستطيع المحكوم أن يستبدل الحاكم وعلى نحو دوري وبرضا الناس الذين يمكن أن يسهموا بتحديد ملامح مستقبلهم. كما أعاد الحراك الشعبي إلى السياسة بريقها ووهجها، وفي الوقت نفسه كشف عن خطل السياسات التقليدية في الحكم وفي المعارضة، خصوصاً بانكسار حاجز الخوف الذي انتقل من المحكومين إلى الحاكم في تغيير موازين القوى، وانكشاف الكثير من الخفايا والخبايا في أروقة الدول الاستبدادية .
لقد كان الحراك الشعبي في الغالب الأعم داخلياً بامتياز وهو نتاج تراكم طويل الأمد فقد ظل غياب مشروع نهضوي للتجدد الحضاري لأكثر من قرنين من الزمان ثغرة كبيرة عانى منها المجتمع العربي، على صعيد علاقته مع بعضه البعض وتنميته وأساليب الحكم المتبعة واستقلاله الاقتصادي وبالطبع على صعيد لحاقه بالعالم لا تقليداً وإنما للتجدد والتواصل.
وليس لديّ أدنى وهم بأن ما حصل سيكون بديلاً أو تعويضاً عن معاناة المجتمع العربي من التجزئة وهدر الحريات والاستعمار والاستغلال وغياب العدالة الاجتماعية وكبح جماح التنمية فضلاً عن الركود والجمود، لكنه بلا أدنى شك حفّز الذاكرة وحرّض الواقع على استعادة المشروع النهضوي العربي، باعتبار أهدافه لا زالت مطمحاً  تسعى الشعوب العربية للوصول إليهما وتمثل مشتركاً عربياً وإنسانياً وشعبياً على المستوى العربي.
فمنذ عصر النهضة هناك مطالب أساسية ظلّت هدفاً مشتركاً للنضال العربي، وهذه المطالب يمكن أن تشكل اليوم، ولاسيما بعد الثورات والانتفاضات الشعبية، مشتركاً أساسياً ومحورياً للعقد الاجتماعي المنشود، وعبر عقود من الزمان كانت مطالب الإصلاح والتغيير وسيادة القانون والدولة الدستورية واختيار الحكام واستبدالهم والمساواة والعدالة، أساس حركة فكرية إصلاحية من جمال الدين الأفغاني إلى محمد عبده وخير الدين التونسي ورفاعة الطهطاوي وحسين النائيني وعبد الرحمن الكواكبي ورشيد رضا وشبلي شميّل وفرح انطون  وصولاً إلى سلامة موسى وعلي عبد الرازق وغيرهم، وهؤلاء يجتمعون وكل من موقعه ومن مدرسته الفكرية، على أهداف ومطالب أساسية، أو يشتركون في بحث معطياتها الرئيسية، حتى وإن اختلفوا في طريقة تناولها، وهو ما تبنته حركات سياسية واجتماعية لاحقاً، لاسيما في مرحلة ما قبل وبعد الاستقلال.
لعل ذلك هو مأزق الجيوبوليتيك، لاسيما للقوى الكبرى ولاسيما للمشروع الإمبراطوري الأمريكي، خصوصاً بعد الربيع العربي، فقد وصل إلى مفترق طرق بعد انهيار أنظمة حليفة وبعضها ممانعة له، وإذا كان التعامل معها يسيراً في السابق، فإن التعامل مع انتفاضة شعبية وثورة شبابية وهياكل غير مكتملة في ظل مرحلة انتقالية هو أكثر صعوبة، لاسيما إذا استمرت الولايات المتحدة في نهجها، دون أن تأخذ بنظر الاعتبار تطلعات الشعوب في التنمية والديمقراطية وفي تأمين مستلزمات نهوضها وتقدّمها في إطار الجماعة السياسية التي تنتمي إليها وتجمعها بها مشتركات كثيرة مثل اللغة والدين والتاريخ والمصالح المشتركة.
لقد وضع الربيع العربي الجميع في مفترق طرق، فأمّا التخلص من آثار الماضي بكل تبعاته الداخلية والخارجية، وأمّا الإنكفاء والتشظي، والسبيل للوصول إلى حالة الاستقرار بعد التغيير وبعد غياب أنظمة الاستبداد وتساوقاً مع المتغيّرات الدولية يمرّ عبر صندوق الاقتراع والإقرار بحقوق المواطنة المتكافئة والمساواة التامة وحكم القانون وتداولية السلطة سلمياً واستقلال القضاء وإشاعة الحريات، وتلك تحتاج إلى تراكم وتجربة وتوافقات سياسية واجتماعية، لاسيما في المرحلة الانتقالية التي ستكون حاسمة.


الدكتور عبد الحسين شعبان